البقعة الجغرافية التي تسمى اليوم بأفغانستان تقع في قلب آسيا و تحتل موقعاً استراتيجياً هاماً جعلها ملتقى الثقافات و الأفكار و الآداب و على ارضها امتزجت حضارات عالمية معروفة. من بين الثقافات التي دقت ابواب البلاد، تحتل اللغة العربية مكانة خاصة.
دخلت اللغة العربية افغانستان بقرآنها ومفرداتها و شعرها و عروضها و بلاغتها و قواعد لغتها بل و خطها و نطق حروفها و حطت الرحال على ربوعها في القرن الأول الهجري. لم تمض فترة و جيزة الا واللغة العربية تعم أرجاء البلاد فصارت لغة السياسة و الدين و الثقافة و ذاب الأفغان في الديانة الاسلامية و انغمسوا في اللغة العربية و آدابها.
بعد أن دخل الاسلام و بدأت اللغة العربية تمد جذورها في اعماق التاريخ الأفغاني وبعد أن بدأ المسلمون المتقدمون يسكنون أرض خراسان و استقرت على ارضها افخاذ القبائل العربية، ظهرت طبقة من ابناء هذه البلاد تحب العربية و تشتغل بعلومها و تكتب باللغين العربية والفارسية فظهر منهم مؤرخون و كتاب النثر و الشعر و الحكمة والفلسفة و اللغة. و اضافة على حرص الأفغان على تعلمها تغلغلت في اللغات الخراسانية من الفارسية و البشتو و التركية الأفغانية و بقية اللغات و اللهجات المستعملة و أثرت تأثيراً لغوياً بالغاً في حياة الأفغان الثقافية.
و من سكان هذه البلاد الذين هاجروا الى البلاد العربية أشتهرت أسر و عرف أدباء و شعراء لهم فضل على اللغة العربية و اضافوا اليها اضافات كثيرة، فمن هذه الأسر؛ أسرة البرامكة البلخيون والأسرة الطاهرية التي هي من أهل هراة.
وجدت العربية في أفغانستان مستقراً ثابتاً و تربة صالحة خصبة تحمل البذرة المباركة وراء جبال الهندوكوش و سلاسل جبال البامير. و لم يمض وقت طويل حتى تحولت المدن و الحواضر الأفغانية كمدينة غزنة وبلخ و هرات مراكز للعلوم و الفنون التى قبلت العربية وعاءأً لها. و بقيت اللغة العربية مرفرفة الاعلام فوق المنابر و المآذن و امتزجت في ارواح الناس بهالة من التقديس و التعظيم الجليلين.
بما أن اللغة العربية بدأت تتلاشى من البلاد بعد دخول المغول اليها حيث حرموا استعمالها، لكن الاسلام أمد العربية بالقوة و ساعدها على الوقوف امام المحاولات التى كانت تهدف الى ابعادها عن حياة الناس.
مع بداية عصر الاستعمار الانجليزي و قتل العلماء على يد الاميرعبدالرحمن خان و الغاء المؤسسات الوقفية في البلاد همشت اللغة العربية عن الحياة الثقافية و التعليمية و مع بداية انتشار المدارس العصرية في عهد حفيد ذلك الملك أخرجت اللغة العربية من المنهاج الدراسي للبلاد.
و لكن اللغة العربية تستمد قوتها من عقيدة الاسلام التي جعلها لغة مقدسة و يكفي أنها لغة القرآن المتعبد بلفظه العربي والمعجز ببلاغته العربية. و مما يزيد من قوة العربية في أفغانستان استمرار استعمال الخط العربي في الكتابة لأن الفارسية و بقية اللغات الأفغانية المكتوبة تكتب بالحرف العربي. و من الواضح أن أكثر من خمسين بالمائة من كلمات الفارسية و البشتو مقترضة من اللغة العربية و بل لايمكن حصر الكلمات العربية التي دخلت هذه اللغات.
لقد لعب الأفغانيون دوراً نشطاً في نقل الثقافات الخراسانية و الهندية من و الى العربية مما جعل من افغانستان ملعباً لتبادل الثقافات العالمية المعروفة.
و اذا كانت اصول النحو و الصرف و اللغة دونت في البصرة ثم في الكوفة بالعراق ولكن دور علماء افغنستان لا يقل عن دورالبصريين و الكوفيين. و كان لقياس فقيه أفغانستان أبو حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله دور هام في تطوير نظريات اللغة العربية و النحو و تأثر خليل بن احمد بنظرية القياس خير شاهد على ما ندعي.
قد يتعجب القارئ اذا قلنا أن اللغة العربية تعتبر من اللغات التي يتكلم بها بعض الأفغان الى هذا اليوم حيث نجد قبائل ذات عروق عربية في شمال أفغانستان استطاعت أن تحافظ على لغتها و ثقافتها العربية و يعتبرونها هذه اللغة لغتهم الأولى.
الرقعة التي تسمى اليوم بأفغانستان قدمت اعلاماً شامخة في مجال اللغة العربية و آدابها. و من هؤلاء
البقعة التي سميت بأفغانستان قدمت كثيراً من علماء اللغة و نذكر اسماء بعضهم باختصار: أبو سهل محمد بن علي الهروي ، بشار بن برد الذي ترجع اصوله الى الطخارستان في شمال أفغانستان والذي يعتبر من أعظم الشعراء الذين عاشوا في العصرين الأموي و العباسي، و حسين بن الضحاك الخليع الذي له شعر كثير في الغزل، و اشهر اعلام أفغانستان في مجال اللغة ابو منصور بن محمد المعروف بالأزهري الهروي صاحب كتاب التهذيب قي عشر مجلدات الذي يقول عنه ابن منظور في كتابه (لسان العرب)، "لم أجد في كتب اللغة أجمل من تهذيب اللغة لأبي منصور الأزهري"، و أحمد بن طيفور و ابوالحسن البلخي المشهور بالأخفش الأوسط و رابعة البلخية و عطاء بن يوسف الغزنوي و أبو حاتم السجستاني و محمد بن موسى البلخي و أحمد بن محمد الزوزني و ابوالمؤيد البلخي و بديع الزمان الهمذاني الذي عاش فترة طويلة مع ملك سجستان الأفغانية و توفي في مدينة هراة و منصور بن محمد الهروي و محمد بن عزيز السجستاني و أحمد بل محمد الهروي و شيخ خراسان الامام عبدالله بن محمد بن علي الأنصاري الهروي الذي يعتبر من أشهر اعلام هراة على امتداد تاريخها الذي ينحدر منه كاتب هذه السطور.
اما فيما يتعلق بمؤسسات تعليم اللغة في البلاد، أستطيع أن اقول أن مؤسسة المسجد يعتبر من أعظم المؤسسات التي لعبت دوراً رئيسياً في مجال تعليم اللغة العربية على مر العصور. اما المدارس الأهلية التي تأخذ من المسجد مقراً لها تنتشر في أرجا البلاد و يصعب علينا حصر ها و تسحيلها هنا.
اما مؤسسات التعليم الرسمية في أفغانستان والتي انشأت على امتداد القرن العشرين هي كالآتي:
1- كلية الشريعة بجامعة كابل
2- قسم اللغة العربية بكلية الآداب، جامعة كابل
3- مدرسة الأمام ابي حنيفة الثانوية بكابل
4- مدرسة دارالعلوم العربية التى تقع في كابل
5- المدرسة الأسدية في محافظة بلخ بشمال أفغانستان
6- مدرسة طخارستان في محافظة كندز بشمال البلاد
7- مدرسة نجم المدارس الثانوية التي تقع في محافظة ننجرهار شرقي البلاد
8- مدرسة فخر المدارس الثانوية بمحافظة هراة
اما المؤسسات التعليمية التي انشأت في مدينة بشاور الباكستانية التي كان يسكنها قرابة ثلاثة ملائين لاجئ ايام الغزو السوفيتي لأفغانستان فهي كالتالي:
- الجامعة الاسلامية للعلوم و التقنية
- المعهد الشرعي العالي لاعداد المعليمن التابع لجمعية الاصلاح الاجتماعي الكويتية
- معهد الامام ابي حنيفة التابع لرابطة العالم الاسلامي
- معاهد الترية الاسلامية التي اسستها جمعية الهلال الأحمر السعودي
- جامعة الدعوة و الجهاد

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق